طه عبد الرحمن
85
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
أو قل باختصار إن كل متخلّق مطالب بأن يستغرق في العمل المباشر ويأتيه على وفق مقتضى الحكمة منه وعلى وفق ما يؤول إليه في المستقبل . 3 . 2 . مبدأ التخلق بالصفات الحسنى لا يدخل المتخلّق في فعل التخلق طالبا لاكتساب أية صفة سلوكية جاز وجود الفائدة منها ، بل يريد التخلق على قدر الطاقة بالصفات التي توصّل بالضرورة إلى مقصوده التقرّبي ، ولا صفات تبلغ هذا المقصود أيقن من الصفات التي نسبها الخالق إلى نفسه والتي ذكرها في كتابه العزيز بلفظ " الأسماء الحسنى " ؛ بيد أن المتخلّق لا يباشر التخلق بها كيفما اتفق ، بل يتوسل في ذلك بتخلق الرسول عليه الصلاة والسّلام « 6 » ؛ وبهذا ، يكون التخلّق المؤيّد ضاربا بجذوره في الأخلاق الإلهية ، لأن صاحبه يبني تخلقه أساسا على مقتضى التخلق الرباني المتجلي في سلوك نبيه الكريم ، لا على مقتضى التخلق الاجتماعي الذي يستفيده من سلوك الجمهور من حوله ، ولا على مقتضى التخلق النفساني الذي يحدّثه به ضميره . 3 . 3 . مبدأ الاقتداء الحي لئن كان المتخلّق ينشد التخلق بأخلاق الرسول حتى يتحقق بنصيب من الصفات الحسنى ، فإنه لا يباشر هذا التخلق بقراءة كتب السيرة والأخبار والمواظبة على هذه القراءة ، لأن هذه الأخيرة ، وإن أفادته علما ، فإنها لا تفيده عملا ، نظرا لأن العمل ليس من جنس ما يقال أو يقرأ ، وإنما من جنس ما يشاهد بعين البصر وينال بأداة الحس ؛ لذلك ، فإن طالب مرتبة التخلق المؤيد يجتهد في البحث عمن تحقق فيه التخلق النبوي ، باحثا عن سنده في ذلك حتى يصعد به إلى الرسول عليه الصلاة والسّلام ؛ ومتى ظفر بهذا المتخلق المستند ، سلّمه قياده وأخذ عنه ، وهو متيقن من أنه سوف يحصّل على يده ما لا يقدر على تحصيله بنفسه ، وذلك لإيمانه الذي لا يتزحزح بأن العمل يتوارث ، متخلقا عن متخلق ، كما يتوارث القول ، راوية عن راوية ؛ أو بإيجاز إن هذا المتخلّق يريد أن يتخلق بطريق الاقتداء الحي ، لا بطريق التأمل المجرد . وبعد أن اتضحت المبادئ الثلاثة التي تدور عليها طرق التخلّق المؤيّد ، فلننظر كيف أن هذه المبادئ تزيل الجمود الذي تطرق إلى الفعل الخلقي في حضارة القول .
--> ( 6 ) مع العلم بأن خلقه عليه السّلام كان هو القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها .